الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

213

طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )

الألفاظ الّتي يستعملها الإنسان في القسم الثاني صيغة الأمر ، فإنّها لفظ ينشئ بها الطلب ، ويتوسّل به إلى مطلوبه . ثمّ إنّ دواعي هذا البعث والإنشاء مختلفة : فتارةً يكون الداعي فيه الإيجاد في الخارج جدّاً ، فيكون الطلب جدّياً ، وأخرى لا يكون بداعي الجدّ بل بداعي التعجيز أو التهديد أو التمنّي أو غيرها ، ولكنّه لا يوجب الاختلاف في المستعمل فيه ، بل مفاد الأمر في جميع هذه الموارد واحد ، وهو البعث والطلب ، والتفاوت إنّما هو في الداعي . فقولك : « أقم الصلاة » لا يختلف عن قولك « اعمل ما شئت » في أنّ المستعمل في كليهما هو الطلب الإنشائي ، والفرق بينهما إنّما هو في أنّ الداعي في الأوّل إنّما هو الجدّ وإيجاد العمل في الخارج حقيقة ، وفي الثاني التهديد وإيجاد الخوف الرادع عن العمل ، وهذا ممّا يشهد عليه الوجدان ويعضده التبادر ، وحينئذٍ يكون الاستعمال في جميعها حقيقياً ولا مجاز في البين أصلًا . 2 . في دلالتها على الوجوب لا ينبغي الإشكال في أنّه إذا وردت صيغة الأمر مطلقة ومن دون القرينة فانّه يفهم منها الوجوب كما عليه سيرة الفقهاء في مقام الاستنباط ، فإنّهم يعدّون صيغة الأمر حجّة على الوجوب إذا استعملت في الكلام مجرّدة عن القرينة ، وعليه بناء العقلاء عموماً في أوامر الموالي والرؤساء . وقد اختلفوا في منشأ هذا الظهور من أنّه هل يكون بمقتضى الوضع « 1 » أو حكم العقل « 2 » أو بناء العقلاء « 3 » أو الإطلاق ومقدّمات الحكمة ؟ « 4 »

--> ( 1 ) . كفاية الأصول ، ص 70 ( 2 ) . فوائد الأصول ، ج 1 ، ص 136 ( 3 ) . تهذيب الأصول ، ج 1 ، ص 191 ، 192 و 204 . ( 4 ) . نهاية الأفكار ، ج 1 ، ص 179 - 180